ملا محمد مهدي النراقي
23
جامع السعادات
يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه " . وقال السجاد عليه السلام : " إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، إلا وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، إلا أن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا ، وقرضوا من الدنيا تقريضا ، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ، إلا أن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وكمن رأى أهل النار في النار معذبين ، شرورهم مأمونة ، وقلوبهم محزونة أنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلة ، فصاروا بعقبى راحة طويلة ، أما الليل فصافون أقوامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، وهم يجأرون إلى ربهم ، يسعون في فكاك رقابهم ، وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح ، قد براهم الخوف من العبادة ، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى ، وما بالقوم من مرض ، أم خولطوا ، فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها " . وقال عليه السلام : " ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله ( ص ) أفضل من بغض الدنيا ، فإن لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعبا . فأول ما عصي الله به الكبر معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين . ثم الحرص ، وهي معصية آدم وحواء حين قال الله عز وجل لهما : " فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " ( 21 ) . فأخذا ما لا حاجة بهما إليه ، فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه . ثم الحسد ، وهو معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله ، فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا ، وحب الرئاسة ، وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة ، فصرن سبع خصال ، فاجتمعن كلهن في حب الدنيا . فقال الأنبياء والعلماء - بعد معرفة ذلك - : حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والدنيا دنيا آن :
--> ( 21 ) الأعراف ، الآية : 19 .